نظام الحماية بالمغرب الاستغلال الاستعماري
مقدمة
ادت الازمة الداخلية وتزايد حدة التنافس الامبريالي مطلع القرن 20 إلى فرض نظام الحماية على المغرب سنة 1912م، من طرف قوتين استعماريتين (فرنسا واسبانيا) وقد عملتا على استغلال موارد البلاد مما خلف عدة انعكاسات:
-ما هو سياق فرض الحماية على المغرب، ومضمون معاهدة الحماية ؟
-ما هي مراحل الاحتلال العسكري للمغرب، و الأسس التي ارتكز عليها هذا النظام الاستعماري؟
- أين تجلت مظاهر الاستغلال الاستعماري وانعكاساته؟
I - سياق فرض الحماية على المغرب ومضمون معاهدة الحماية.
1- أدت الازمة الداخلية وحدة التنافس الامبريالي إلى فرض الحماية على المغرب
1-1 دور الأزمة الداخلية:
يأتي فرض الحماية على المغرب في سياق ظروف صعبة عاشها هذا الأخير في مطلع القرن 20، فمع وفاة المولى الحسن 1894م عين احمد بن موسى وصيا على المولى عبد العزيز وفي سنة 1900م. أصبح هدا الأخير (1894-1908) الحاكم الفعلي، وقد فشلت جميع مبادراته واجراءاته الاصلاحية، وأصبح الحكم المركزي في عهده غير قادر على فرض هيمنة المخزن، حيث تمردت القبائل وامتنعت عن أداء الضرائب وازدادت مظاهر الرفض بعدما قبل السلطان بمقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، ومنح المزيد من الامتيازات للأوربيين، وفي عهده اندلعت ثورة الجلالي الزر هوني (1902-1909م)، الذي تحدى المخزن واستطاع الحصول على بيعة العديد من القبائل شمال وشرق البلاد، وتطورت علاقته مع الأوربيين، ورغم التمكن من إخماد ثورته إلى أنها ساهمت في إضعاف البلاد. وفي سنه 1908م أعلن عن عزل المولي عبد العزيز ليتم تعين المولى عبد الحفيظ 1908-1912 الدي بويع بيعة مشروطة ومن أبرز الشروط: التراجع عن الامتيازات الممنوحة للأوربيين ورفض مقررات الجزيرة الخضراء، وقد تم التعيين في جو من الحماسة لكن الممارسة السياسة ارغمت السلطان الجديد على التقرب من الأوربيين في نفس الوقت كان المغرب يعاني من ازمة اقتصادية خانقة بسبب ضعف المداخيل وارتفاع المديونة فضلا عن تأثيرات الجفاف.
2 -2 دور التنافس الامبريالي (العامل الخارجي)
خلال نفس الفترة أصبح المغرب يمثل حلقة اساسية في التنافس الامبريالي حيث تحول إلى ازمة دولية اصطلح عليها بالمسألة المغربية. وبعدما تمكنت من احتلال الجزائر وتونس ستعمل فرنسا على الانفراد بالمغرب حيث أقدمت على مجموعة من التسويات الاستعمارية مع إيطاليا سنة 1902م، وإنجلترا سنة 1904م، وقد أغضب ذلك المانيا التي ستعمل على عرقلة المشروع الفرنسي وفي هذا الإطار قام الامبراطور الأماني غيوم الثاني بزيارة مدينة طنجة سنة 1905م للدفاع عن مصالح بلده لتتم الدعوة بعد ذلك إلى عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906م، الذي منح مجموعة من الامتيازات لفرنسا واسبانيا داخل المغرب من أبرزها تنظيم الشرطة بالموانئ وانشاء بنك مخزني وقد اعتبرتا ذلك بمثابة ضوء أخضر لبداية احتلال أجزاء من البلاد، معتمدين على عدة ذرائع وهكذا اقدمت فرنسا على احتلال الدار البيضاء ووجده سنة 1907م وفي سنة 1909 م شرع الإسبان في احتلال اجزاء من شمال لبلاد وفي سنة 1911م تم احتلال الرباط وفي نفس السنة اندلعت ازمة أكادير حيث أرسل الألمان سفينة حربية إلى أكادير مهددين بالتدخل إذا لم تتراجع القوات الفرنسية المتوجهة نحو فاس، وازدادت حدة التوتر بعدما اعلنت إنجلترا دعمها لفرنسا، وفي النهاية اتفق طرفي الصراع على تسوية الخلاف حيث حصلت المانيا على جزء من منطقة الكونغو مقابل التخلي عن أطماعها بالمغرب ليصبح الطريق سالكا أمام فرنسا لاحتلال المغرب سنة 1912م.
2- مضمون معاهدة الحماية
في 30 مارس 1912م تم التوقيع على معاهدة الحماية والمعروفة كدلك بمعاهدة فاس التي وقعها السفير الفرنسي(رينو) بالمغرب والسلطان المولى عبد الحفيظ وتضمنت الالتزامات التالية:
التزام فرنسا بإصلاح اوضاع البلاد في كافة المجالات واحترام مكانة السلطان والوضع الديني واصلاح جهاز المخزن والدخول في مفاوضات مع اسبانيا لتحديد مناطق نفوذ كل طرف داخل المغرب إضافة الي الاشراف على العلاقات الخارجية، أما المخزن فالتزم بتقديم الدعم لفرنسا في عمليات ضبط البلاد وتحقيق الأمن
3- مر الاحتلال العسكري للمغرب بعدة مراحل
دامت عملية الاحتلال العسكري للمغرب مدة طويلة من 1912 الى سنة 1934م من أبرز المراحل:
-قبل 1912م تمكنت فرنسا من احتلال المغرب الشرقي والدار البيضاء، واستولت اسبانيا على سيدي افني سنة 1900م وبعض اجزاء الريف.
- ما بين 1912 و 1914م سيطرت فرنسا على السهول والهضاب الإطلنتية.
- ما بين 1914- 1920 : سيطرت فرنسا على الاطلس المتوسط والاطلس الكبير
- ما بين 1921م و 1926م : استكملت اسبانيا احتلالها للمنطقة الشمالية وفرنسا الاطلس المتوسط
- ما بين 1931 و 1934م: استكملت فرنسا واسبانيا السيطرة على المناطق الصحراوية.
وترجع أسباب طول فترة الاحتلال الى عوامل متعددة من أبرزها
شراسة مقاومة البوادي واحتماء المقاومين بالجبال والفوضى العارمة التي يعرفها المغرب.
II- أسس نظام الحماية بالمغرب
1-اداريا:
قسم المغرب خلال فترة الحماية الى ثلاث مناطق للنفود:
- منطقة النفود الفرنسي وعرفت بالمنطقة السلطانية
- منطقة النفود الاسباني وعرفت بالمنطقة الخليفة
- منطقة طنجة الدولية
وقد تميزت الادارة بالازدواجية فإلى جانب الادارة المغربية نجد ادارة المستعمر
* الادارة بمنطقة النفود الفرنسي :
الادارة المغربية على رأسها السلطان الدي احتفظ بالسلطة الدينية وتوقيع الظهائر الى جانبه نجد الصدر الأعظم الدي يشرف على الادارة المخزنية وقد اقتصرت الوزارات على وزارتين الاوقاف والعدل نظرا لطابعهما الديني. أما على المستوى المحلي فيتم تعين الباشوات بالمدن والقواد بالبوادي وقد كانوا خاضعين لأوامر المستعمر.
الادارة الفرنسية: سميت بالإقامة العامة على رأسها المقيم العام يعين من طرف رئيس الجمهورية الفرنسية، يترأس المصالح الادارية والعسكرية ويصدر القوانين ويعتبر ليوطي أبرز وأول مقيم عام بالمغرب ما بين 1912 و1925م الى جانبه نجد كاتبا عاما يشرف على جميع الادارات أو المديريات، وهي عبارة عن وزارات كالمالية والداخلية.
أما على المستوى المحلي فقد قسم المستعمر مناطق نفوده الى سبع جهات منها ثلاثة مدينة وهي الرباط وجدة والدار البيضاء وعلى رأسها مراقبون مدنيون ثم أربعة عسكرية وهي فاس، مكناس، مراكش واكادير وعلى رأسها ضباط الشؤون الاهلية
* الإدارة بمنطقة النفوذ الإسباني :
يترأس إدارة المخزن خليفة السلطان، وعلى الصعيد المحلي يتم تعين الباشوات بالمدن والقواد بالبوادي أما الإدارة الإسبانية فقد كان على رأسها مفوض سامي سلطته متعددة يساعده عدد من المنادب، ويتم تعيين على الصعيد المحلي مراقبين محليين.
* الوضع بمدينة طنجة :
تم تسير شؤونهما من طرف إدارة دولية على رأسها حاكم المدينة إلى جانب مجلس تشريعي مثل فيه جميع عناصر المجتمع فضلا عن وجود لجنة للقناصل.
ورغم التصريح بوجود إدارتين إلا أن الإدارة المخزنية كانت شكلية وصورية، تم استغلالها من طرف المستعمر وبذلك تحول نظام الحماية من نظام استعماري غير مباشر إلى نظام مباشر خاصة بعد رحيل المقيم العام ليوطي (1912م-1925م) وقد عمل هذا النظام على خدمة مصالحه الاستعمارية بالدرجة الاولى.
2- عسكريا:
• لإحكام السيطرة على البلاد وضبط الأمن أدخل المستعمر قواته العسكرية إلى المغرب كما كان يعتمد على فرق عسكرية يستقدمها من مستعمراته الأخرى كالسينغاليين الذين استخدموا لقمع المظاهرات مثلما حدث بالدار البيضاء. وبفضل دلك امكنه فرض احتلاله العسكري ومواجهة المقاومة
• ماليا: خلال فترة الحماية ظهرت بالمغرب العديد من الابناك إلى جانب البنك المخزني، وقد شكلت أداة بيد المستعمر لاستغلال البلاد وإنجاز مشاريعه.
• الاستيطان : شجع المستعمر الفرنسي والإسباني على الهجرة نحو المغرب وقد استقر المعمرون في المناطق الحيوية مستفيدين من الدعم المقدم من سلطات الاستعمار.
• تجهيزيا : أقامت سلطات الحماية بالمغرب العديد من المشاريع المرتبطة بالبنيات التحتية بهدف تسهيل عملية الاستغلال لثروات البلاد وتحويلها إلى الخارج سواء تعلق الأمر بالثروة المعدنية، أو المنتجات الفلاحية، وفي هذا الإطار انجزت الطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ، وفي مقدمتها ميناء الدار البيضاء سنة 1913م إلى جانب عدد من السدود.
II- مظاهر الاستغلال الاستعماري وانعكاساته.
1- تعددت مظاهر الاستغلال الاستعماري على المستوى الاقتصادي.
• فلاحيا: اقدمت سلطات الحماية على الاستيلاء على أجود الأراضي، بطرق متعددة من أبرزها تقديم التعويضات المالية، أو استغلال نفود شيوخ القبائل والقواد لإرغام الفلاحين على التنازل، فضلا عن دعوة الفلاحين إلى تحفيض ممتلكاتهم، وهو الأمر الذي تعدر على الكثيرين، ويمكن التمييز خلال هذه الفترة، بين أراضي الاستعمار (الاستيطان) الفلاحي الرسمي ويتكون من أراضي المخزن والجموع والأحباس، ثم أراضي الاستيطان الخاص والمتمثل في الأراضي التي استولى عليها المعمرون لقد شهد قطاع الفلاحة بالمغرب خلال هذه الفترة عدة تحولات فقد أدخلت إلى المغرب عدة زراعات تسويقية، استفادت من شبكة السدود. ورعاية المستعمر واستعمال تقنيات حديثة، وقد اقتصر ذلك على أراضي للمعمرين بهدف تزويد السوق الفرنسية باحتياجاتها.
• ماليا : تدفق على المغرب خلال هذه الفترة العديد من الاستثمارات الأجنبية، كما ظهرت به عدة أبناك شكلت اداة لسيطرة الرأسمال الاستعماري على الاقتصاد المغربي، وتمثل دورها في مساعدة المستعمر لإنجاز المشاريع الكبرى، واستطاعت تحقيق أرباح كبيرة بسبب ارتفاع نسبة الفوائد مما زاد في اغراق المغرب بالمديونية.
• تجاريا : غلب على صادرات المغرب ، المنتجات الأولية والواردات المنتجات المصنعة، وقد شكلت فرنسا أبرز زبون للمغرب. أما الميزان التجاري فقد ظل يعاني طيلة فترة الحماية من عجز كبير.
• صناعيا : أنشأت فرنسا بالمغرب عدة وحدات صناعية حديثة اغلبها مرتبطا بالصناعات الاستهلاكية التي تمركزت بالمدن الكبرى خاصة الدار البيضاء وكتفت الشركات الاستعمارية من عمليات التنقيب عن المعادن التي كانت تصدر خام، في مقدمتها الفوسفاط.
2- ترتب عن الاستغلال الاستعماري عدة انعكاسات
• بالنسبة للبوادي : فقد الكثيرون ممتلكاتهم وتحول البعض إلى عمال زراعيين في ضيعات المعمرين و في بعض المناطق وبتواطؤ مع السلطات المخزنية المحلية فرض على بعض السكان اعمال السخرة واضطر البعض إلى الهجرة نحو المدينة واحتكر المعمرون الأراضي الخصبة واكتفى الكثير من المغاربة بملكيات صغيرة وفي مناطق اقل خصوبة وساهم انتشار الملكية الخاصة في تفكك النظام القبلي.
• بالنسبة للمدن :
بالنسبة للعمال: شكل المهاجرون من البوادي النواة الأولى للطبقة العاملة بالمغرب التي تمركزت بالمدن الكبرى، وعانت من كثرة ساعات العمل وضعف الأجوار كما حرموا من حق الانتماء للنقابات وقد سكن الأغلبية في أحياء الصفيح.
بالنسبة للتجار: إلى جانب منافسة التجار الأجانب عانوا من ثقل الضرائب في الوقت الذي أصبح الاقتصاد المغربي شديد الارتباط بالاقتصاد الفرنسي كما ان المغرب أصبح منخرطا في العلاقات الرأسمالية مما يبرر تأثره بأزمة 1929.
بالنسبة للحرفين: زادت حدة المنافسة من طرف المنتجات الأجنبية والمصنعة محليا من مشاكلهم حيث اختفت العديد من الحرف واضطر بعض الحرفين إلى تغيير حرفهم او التحول إلى عمال.
خاتمة:
نستنتج مما سبق ان الاستغلال الاستعماري الحق أضرار كثيرة بالمغرب (اقتصاديا واجتماعيا) مما دفع العديد من الفئات المتضررة إلى الالتحاق بصفوف الحركة الوطنية من أجل الاستقلال.
تعليقات
إرسال تعليق